إسلام عنان يكتب: السالمونيلا في أوروبا.. ما الذي يحدث؟ وهل يمثل التفشي الحالي خطرًا على مصر؟
بقلم .. د. إسلام عنان
خلال الأسابيع الأخيرة تم تسجيل مئات الإصابات ببكتيريا السالمونيلا في عدد من الدول الأوروبية وأثار حالة من القلق، خاصة مع ارتباط بعض الحالات بالبيض ومنتجات الدواجن، وظهور إصابات في أكثر من دولة في الوقت نفسه.
لكن لفهم الصورة بشكل صحيح، من المهم أولًا التأكيد على أن السالمونيلا ليست فيروسًا، ولا تنتشر بين الدول بالطريقة التي شهدناها مع الأوبئة التنفسية مثل كورونا أو الإنفلونزا، وإنما هي بكتيريا معروفة منذ عقود، وترتبط غالبية تفشياتها بتلوث الغذاء ومراحل إنتاجه وتداوله.
ما هي السالمونيلا؟
السالمونيلا هي مجموعة كبيرة من البكتيريا التي يمكن أن تعيش في الجهاز الهضمي للإنسان وعدد من الحيوانات والطيور، وتُعد أحد أهم مسببات العدوى المنقولة عن طريق الغذاء على مستوى العالم.
وتحدث الإصابة عندما يتناول الإنسان غذاءً أو شرابًا ملوثًا بالبكتيريا، فتصل إلى الجهاز الهضمي وتسبب في معظم الحالات التهابًا حادًا بالمعدة والأمعاء.
ورغم أن معظم الإصابات تكون محدودة وتتحسن خلال عدة أيام، فإن العدوى قد تصبح أكثر خطورة لدى بعض الفئات، خاصة الأطفال الصغار وكبار السن والأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة.
هل هذه المرة الأولى؟.. تاريخ من التفشيات المرتبطة بمنتجات غذائية مختلفة
شهد العالم على مدار العقود الماضية عددًا من التفشيات الكبيرة، وكان اللافت أن كل تفشٍ تقريبًا ارتبط بمنتج غذائي أو سلسلة إنتاج محددة.
ففي الولايات المتحدة عام 1985 شهد واحدًا من أكبر التفشيات المعروفة تاريخيًا، وكان مصدره الحليب الملوث، وتشير التقديرات إلى تعرض أعداد كبيرة جدًا من السكان للعدوى.
وفي أوروبا تكررت على مدار السنوات التالية التفشيات المرتبطة بالبيض ومنتجات الدواجن، خاصة مع وجود سلاسل إنتاج وتوزيع كبيرة يمكن من خلالها انتقال المنتج نفسه إلى أكثر من دولة.
ومن أشهر الأمثلة الحديثة ما حدث في عام 2022، عندما ارتبط تفشٍ واسع للسالمونيلا بمنتجات شوكولاتة تم تصنيعها في بلجيكا، وتم تسجيل أكثر من 300 حالة مؤكدة أو محتملة في عدد من الدول، وكان الأطفال يمثلون نسبة كبيرة من الإصابات.
وخلال السنوات السابقة أيضًا ظهرت تفشيات أوروبية ارتبطت بالبيض المنتج في بعض المزارع، كما ظهرت تفشيات أخرى مرتبطة باللحوم، والخضروات، والبراعم النباتية وبعض الأغذية المصنعة.
وهذا يوضح قاعدة مهمة في فهم السالمونيلا: المشكلة ليست مرتبطة بنوع واحد من الطعام بقدر ارتباطها بحدوث تلوث في إحدى حلقات سلسلة إنتاج الغذاء أو تصنيعه أو تخزينه أو تحضيره.
ما هي أنواع السالمونيلا؟.. وهل ما نتابعه حاليًا هو التيفويد؟
هناك آلاف الأنماط المختلفة من بكتيريا السالمونيلا، لكن يمكن تبسيطها إلى مجموعتين رئيسيتين.
المجموعة الأولى هي السالمونيلا التيفية، وهي المسؤولة عن الإصابة بحمى التيفويد والباراتيفويد، ويعتبر الإنسان المستودع الرئيسي لها.
أما المجموعة الثانية فهي السالمونيلا غير التيفية، وهي الأكثر ارتباطًا بحالات التسمم الغذائي والتهاب المعدة والأمعاء، وتشمل الأنواع التي تظهر بصورة متكررة في التفشيات المرتبطة بالبيض والدواجن وغيرها من الأغذية.
والتفشيات التي يجري الحديث عنها حاليًا في أوروبا تنتمي في الأساس إلى السالمونيلا غير التيفية، ولذلك لا نتحدث هنا عن انتشار وبائي لحمى التيفويد.
لماذا تحدث الإصابة؟
تبدأ المشكلة غالبًا قبل وصول الطعام إلى المنزل أو المطعم.
فقد يحدث التلوث داخل المزرعة، أو أثناء الإنتاج أو الذبح أو التصنيع أو التعبئة، ثم ينتقل المنتج الملوث عبر سلسلة التوزيع إلى المتاجر والمطاعم والمستهلكين.
كما يمكن أن يحدث التلوث داخل المنزل نتيجة عدم الفصل بين الأطعمة النيئة والمطهوة، أو استخدام الأدوات نفسها في إعداد اللحوم النيئة والطعام الجاهز للأكل، أو عدم حفظ الأغذية في درجات الحرارة المناسبة.
وهنا يلعب عامل الحرارة دورًا مهمًا.
إن كل ارتفاع قدره درجة مئوية واحدة في درجة الحرارة يرتبط بزيادة تقارب ٥% في خطر الإصابة بالسالمونيلا غير التيفية.
ولا يعني ذلك بالطبع أن مجرد ارتفاع درجة الحرارة يؤدي وحده إلى حدوث العدوى، لكنه يوضح أن الحرارة يمكن أن تساعد على تكاثر البكتيريا إذا تزامنت مع سوء التخزين أو عدم الالتزام بسلسلة التبريد.
لذلك في البلاد الحارة أو في موسم حار مثل ما تشهده أوروبا حالياً يجب أن يتم التعامل مع الغذاء بصورة آمنة.
أين تعيش البكتيريا؟
المستودع الطبيعي للسالمونيلا واسع للغاية.
فيمكن أن توجد البكتيريا في أمعاء الدواجن والأبقار وبعض الحيوانات الأخرى، وكذلك في الطيور والزواحف والسلاحف وبعض الحيوانات المنزلية والبرية.
وقد يحمل الحيوان البكتيريا دون أن تظهر عليه أعراض واضحة.
وتكتسب الدواجن والبيض أهمية خاصة في هذا السياق، لأن البيضة قد تتلوث خارجيًا عن طريق القشرة بوجود مخلفات برازية، كما يمكن في بعض الحالات أن يحدث التلوث داخل البيضة نفسها أثناء تكوينها في الدجاجة من الأعضاء الداخلية للدجاجة.
ولذلك لا يمكن الاعتماد على شكل البيضة أو رائحتها للحكم على خلوها من البكتيريا.
كيف تنتقل العدوى؟
الطريق الأساسي للإصابة هو الغذاء الملوث.
ومن أكثر المصادر المعروفة: البيض غير مكتمل الطهي، والدواجن واللحوم غير المطهية جيدًا، والحليب غير المبستر وبعض منتجاته، بالإضافة إلى الخضروات أو المنتجات النباتية التي قد تتعرض للتلوث أثناء الزراعة أو التصنيع.
لكن انتقال السالمونيلا من شخص إلى آخر يظل ممكنًا أيضًا ولكنه نادر، وأقل أهمية في غالبية التفشيات الغذائية الكبيرة.
ويحدث ذلك عبر ما يسمى بالطريق البرازي الفموي، عندما تنتقل البكتيريا من شخص مصاب إلى شخص آخر بسبب عدم غسل اليدين جيدًا بعد استخدام دورة المياه أو تغيير حفاضات الأطفال، ثم تلوث الطعام أو الأسطح.
وهذا هو السبب في أن التفشي في سبع دول مثلًا لا يعني بالضرورة أن المرض انتقل من شخص إلى آخر عبر حدود سبع دول.
السبب ببساطة أن منتجًا واحدًا ملوثًا خرج من مصدر إنتاج واحد وتم توزيعه في سبع دول مختلفة في القارة الأوروبية، فأصيب أشخاص في هذه الدول في الوقت نفسه دون وجود أي علاقة مباشرة بينهم.
ما أعراض الإصابة؟ ومن الأكثر عرضة للمضاعفات؟
تبدأ الأعراض عادة خلال ساعات إلى عدة أيام بعد تناول الغذاء الملوث.
وأكثر الأعراض شيوعًا هي الإسهال، وآلام وتقلصات البطن، والحمى، والغثيان، وقد يصاحبها القيء أو الصداع وفقدان الشهية.
وفي معظم الأشخاص الأصحاء تكون العدوى محدودة وتتحسن خلال عدة أيام، ويكون الاهتمام الأساسي بتعويض السوائل وتجنب الجفاف.
لكن بعض الفئات تحتاج إلى اهتمام أكبر، وفي مقدمتها الأطفال الصغار، وكبار السن، والأشخاص الذين يعانون من ضعف المناعة أو أمراض مزمنة شديدة.
وفي نسبة محدودة من الحالات يمكن أن تتجاوز البكتيريا الجهاز الهضمي وتصل إلى الدم أو أعضاء أخرى، وهي الحالات التي تصبح فيها العدوى أكثر خطورة.
وتعتبر حالات الوفيات نادرة من هذا النوع وهي تقريباً 0.1% من الحالات المبلغ عنها، أي ما يقارب حالة وفاة واحدة لكل ألف حالة، مع ارتفاع الخطورة بصورة أكبر لدى كبار السن وضعاف المناعة والحالات التي تتحول إلى عدوى غازية.
كيف نحمي أنفسنا داخل المنزل؟
لا تحتاج الوقاية من السالمونيلا إلى إجراءات استثنائية، وإنما إلى الالتزام بقواعد سلامة الغذاء التي ينبغي تطبيقها في جميع الأوقات.
أهم هذه القواعد هو طهي الدواجن واللحوم جيدًا، وتجنب البيض النيئ أو غير مكتمل الطهي أو الحلويات التي تستخدم البيض النيئ (مثل التيراميسو)، خاصة للأطفال الصغار وكبار السن والحوامل والأشخاص ضعاف المناعة.
كما يجب فصل أدوات إعداد اللحوم والدواجن النيئة عن الأدوات المستخدمة في الطعام المطهو أو الجاهز للأكل، وغسل اليدين جيدًا بالماء والصابون بعد التعامل مع الأغذية النيئة.
ويجب حفظ الأطعمة التي تحتاج إلى التبريد داخل الثلاجة وعدم ترك الطعام المطهو لفترات طويلة في درجة حرارة الغرفة، خاصة خلال فصل الصيف.
ومن الممارسات التي تحتاج أيضًا إلى تصحيح غسل الدجاج النيئ بالماء قبل الطهي؛ فهذه الممارسة لا تقتل السالمونيلا، وقد تؤدي على العكس إلى انتشار قطرات ملوثة بالبكتيريا على الحوض والأسطح والأدوات المجاورة. والطهي الجيد هو الوسيلة الأكثر أهمية للتخلص من البكتيريا.
كما ينبغي الاهتمام بنظافة اليدين بعد التعامل مع الحيوانات، خاصة الزواحف والسلاحف.
لماذا لا يعني ما يحدث في أوروبا أننا أمام الخطر نفسه في مصر؟
الحمد لله يوجد استقرار في الوضع الوبائي في مصر وعدم وجود زيادة غير معتادة في حالات السالمونيلا مرتبطة بالتفشيات الدولية الحالية، مع استمرار أعمال الترصد والمتابعة للأحداث الوبائية.
وهنا من المهم التفرقة بين أمرين: وجود السالمونيلا في مصر، ووجود تفشٍ وبائي مرتبط بما يحدث في أوروبا.
السالمونيلا موجودة بدرجات مختلفة في معظم دول العالم، وبالتالي يمكن أن تحدث حالات متفرقة في مصر أو أي دولة أخرى.
لكن لا توجد حتى الآن دلائل تشير إلى أن سلسلة الغذاء المسؤولة عن التفشيات الأوروبية الحالية وصلت إلى مصر أو أدت إلى زيادة غير معتادة في الإصابات المحلية.
وهذا يفسر لماذا يمكن أن تظهر مئات الحالات في عدة دول أوروبية دون ظهور النمط نفسه في مصر أو الشرق الأوسط.
فأوروبا لديها سوق غذاء مترابطة بدرجة كبيرة، وقد تنتقل منتجات المزرعة أو المصنع نفسه بين عدة دول خلال فترة زمنية قصيرة. فإذا حدث تلوث في أحد هذه المصادر، يمكن أن تظهر الحالات في أكثر من دولة بصورة متزامنة.
وفي المقابل، إذا لم يصل المنتج أو دفعات الإنتاج الملوثة إلى السوق المصرية، فإن وجود تفشٍ في أوروبا لا يؤدي في حد ذاته إلى انتقاله إلينا.
في النهاية، السالمونيلا لا تنتقل بين الدول لمجرد وجودها في دولة مجاورة؛ ففي معظم هذه التفشيات ما يعبر الحدود هو الغذاء الملوث، وليس الوباء نفسه.