إسلام عنان يكتب لـ “المصري اليوم”.. هل سيتأثر سعر الدواء باضطرابات مضيق هرمز؟
كتب الدكتور إسلام عنان، أستاذ اقتصاديات الصحة وعلم انتشار الأوبئة مقالا في صحيفة المصري اليوم، بتاريخ 25 أبريل 2026، كشف فيه تأثيرات اضطرابات مضيق هرمز على سعر الدواء، وهذا نص المقال.
حتى وإن كانت مصر لا تستورد الأدوية أو المواد الخام الصيدلانية بشكل مباشر عبر المضيق، فإن التأثير يمتد إلى دورة الصناعة ككل من خلال عدة عوامل:
١- ارتفاع أسعار المواد البتروكيماوية المستخدمة في تصنيع التغليف، وشرايط الأدوية، والعبوات، مما يؤدي إلى زيادة تكلفة العملية الإنتاجية.
٢- ارتفاع أسعار البترول، وهو ما ينعكس على تكاليف النقل والتوزيع من وإلى المصانع، وبالتالي زيادة إجمالي تكلفة الإنتاج.
٣- اضطراب سلاسل الإمداد العالمية، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الشحن نتيجة التأخير أو زيادة التنافس على المواد الخام الأساسية.
٤- ارتفاع تكاليف التأمين على النقل البحري والجوي عالميًا، وهو ما ينعكس على أسعار المواد الخام المستوردة.
٥- تقلبات سعر الصرف تؤثر بشكل مباشر على تكلفة الدواء، خاصة أن مصر رغم إنتاجها نحو ٩١٪ من احتياجاتها الدوائية محليًا، إلا أن حوالي ٨٠٪ من مدخلات الصناعة تعتمد على الاستيراد بالدولار، بالإضافة إلى أن نسبة الـ ٩٪ المتبقية تمثل أدوية مرتفعة التكلفة يتم استيرادها كاملة، مثل أدوية الأورام والمناعة.
٦- في أوقات الحروب والأزمات، ترتفع درجة عدم اليقين (Uncertainty)، مما يؤدي إلى اضطراب الأسواق العالمية ويزيد من معدلات التضخم.
٧- ومع تصاعد عدم اليقين، تزداد ندرة بعض المواد نتيجة اتجاه الدول المنتجة للمواد الخام الصيدلانية إلى الاحتفاظ بإنتاجها تحسبًا لأي اضطرابات لوجستية، فضلًا عن قيام الدول الكبرى بتخزين الأدوية والمواد الخام، مما يؤدي إلى ارتفاع أسعارها عالميًا.
أما بالنسبة للمنتجات الصحية غير المصنفة كأدوية، مثل المكملات الغذائية، والأجهزة الطبية، ومستلزمات العمليات، والمفاصل الصناعية، فهي غير خاضعة للتسعير الجبري، وبالتالي تتأثر أسعارها بشكل مباشر، مما قد يؤدي إلى زيادة فاتورة الإنفاق الصحي في الموازنات القادمة.
هل توجد حلول للحد من هذا التأثير؟
يمكن تقليل التأثير إلى حد كبير من خلال مجموعة من الإجراءات، من أبرزها:
١- الاستمرار في جهود الدولة لتوطين الصناعة، خاصة توطين إنتاج المواد الخام الأولية.
٢- تنويع مصادر الاستيراد لتقليل المخاطر وخفض التكلفة الإجمالية.
٣- وضع قائمة أولويات واضحة للأدوية الاستراتيجية سواء في الشراء أو التخزين.
٤- تشجيع المصانع المحلية على التوسع في إنتاج الأدوية الاستراتيجية، مع تسهيل إجراءات تسجيل المستحضرات الحيوية والملفات ذات الأولوية.
٥- عقد شراكات طويلة الأجل مع شركات الدواء العالمية، مع تثبيت نسبي للأسعار، بالتوازي مع اتفاقيات ممتدة مع المصانع المحلية.
٦- تأجيل بعض التدخلات الصحية غير العاجلة عند الضرورة.
٧- ترشيد الإنفاق وتحسين كفاءة الاستخدام، خاصة في فئات مثل الفيتامينات، وأدوية الجهاز الهضمي، والمسكنات، والمضادات الحيوية.
الخلاصة:
التأثير المحتمل لأي تصعيد في مضيق هرمز على أسعار الدواء في مصر ليس تأثيرًا مباشرًا، بل هو تأثير هيكلي ممتد عبر سلاسل الإمداد العالمية، فالصناعة الدوائية اليوم لم تعد صناعة محلية منفصلة، بل منظومة دولية مترابطة تعتمد على الطاقة، والخامات، والنقل، والتأمين، والاستقرار الاقتصادي العالمي.
وفي النهاية، لم يعد الأمن الدوائي رفاهية أو خيارًا صناعيًا، بل أصبح جزءًا لا يتجزأ من الأمن القومي. وكل خطوة نحو تعميق التصنيع المحلي وتعزيز مرونة النظام الصحي تمثل استثمارًا مباشرًا في استقرار الدولة وقدرتها على مواجهة الأزمات العالمية بثقة واستقلالية.
